خلوة
لا أنتهي من عمل , إلا و أجد قائمة طويلة بانتظاري , حتى في أوقات الفراغ , هناك العديد من الكتب بانتظار قرائتها , و العديد من البرامج و المواقع بحاجة إلى متابعتها , ناهيك عن الإرتباطات العائلية , و المناسبات الإجتماعية ..
منذ وعيت الدنيا , و أنا أجد نفسي في دوامة من المشاغل و الإرتباطات , لا تنتهي ..
أستيقظ كل صباح لأجد نفسي غارقا في التفاصيل , مستغرقا فيها إلى أقصى حد ..
أعتقد أن رمضان فرصة جيدة للهجرة .. إلى النفس , و الخلوة بها , و التحدث إليها على انفراد و بدون أي تأثيرات و ضوضاء خارجية ..
لا أتكلم هنا عن حديث عابر مع النفس في أحد طوابير الإنتظار , أو ما قبل النوم , بل أتكلم عن الخلوة المنظمة , أن يضع الإنسان موعدا لنفسه على قائمة مهامه اليومية , و يلتزم بهذا الموعد ..
يقيم فيها نفسه , و علاقاته مع من حوله , و علاقته بربه , و يحدد فيها أهدافه و توجهاته في هذه الحياة , و يترك الحرية لذاته تتحدث كيفما تشاء , و في أي موضوع تريد ..
حتى تأتي العشر الأواخر , و حينها يحدث الإنقطاع التام , و الخلوة الكاملة , خلوة من النفس و عن النفس , إلى الرب .. تفرغ من الدنيا بكل ما تحويه .. و انشغال بالله .. مناجاة و ذكر و صمت ..
يقول أحد العلماء : إن من طبائع النفس حب مجالسة الناس، والميلَ إلى اللهو والعبث والبطالة، وكراهيةَ الخلوة مع الله، والنفورَ من الانفراد للمحاسبة على الهفوات واللوم على الأخطاء. فإذا جاهدناها على ذلك، فإنها تشعر بالضيق والضجر في بادىء أمرها، ولكن سرعان ما تُذعِنُ وتخضع، ثم تذوق حلاوة الأنس بالله ولذة مناجاته، وخصوصاً عندما تنطلق، وتتحرر من قيود المادة، وتسبح في عوالم الملكوت ..
